أحمد مصطفى المراغي
124
تفسير المراغي
( قُلْ لا تُقْسِمُوا ) أي قل لهم : لا تحلفوا ، فإن العلم بما أنتم عليه لا يحتاج إلى قسم ويمين لوضوح كذبه . ثم علل النهى عن الحلف بقوله : ( طاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ ) أي لا تقسموا لأن طاعتكم معروفة لنا ، فهي طاعة باللسان فحسب من غير مواطأة القلب لها ، ولا يجهلها أحد من الناس . ونحو الآية قوله : « يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ » وقوله : « اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذابٌ مُهِينٌ » . ثم هددهم وتوعدهم على أيمانهم الكاذبة وأنه مجازيهم على أعمالهم السيئة ، ولا سيما ذلك النفق المفضوح فقال : ( إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ) أي إنه تعالى لا تخفى عليه خافية من ظاهر أعمالكم وخافيها ، فيعلم ما تظهرونه من الطاعة المؤكدة بالأيمان الكاذبة ، وما تبطنونه من الكفر والنفاق والعزيمة على مخادعة المؤمنين ونحو ذلك من أفانين الشر والفساد التي دبّرتموها . ولما نبه سبحانه إلى خداعهم وأشار إلى عدم الاغترار بأيمانهم - أمر بترغيبهم وترهيبهم مشيرا إلى الإعراض عن عقوبتهم بقوله : ( قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ ) أي مرهم باتباع كتاب اللّه وسنة رسوله ، وفي هذا إيماء إلى أن ما أظهروه من الطاعة ليسوا منها في شئ . ثم أكد الأمر السابق ، وبالغ في إيجاب الامتثال به ، والحمل عليه بالترغيب والترهيب بقوله : ( فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ ) أي فإن تتولوا عن الطاعة بعد أن أمركم الرسول بها ، فما ضررتم الرسول بشيء ، بل ضررتم أنفسكم ، لأنه عليه